عادل أبو النصر

318

تاريخ النبات

يسيرا قدر درهم أو درهمين حتى أن من أكثر منه يخرجه إلى حد الرعونة وقد استعمله قوم فاختلت عقولهم وأدى بهم الحال إلى الجنون . . ورأيت الفقراء يستعملونه على انحاء شتى فمنهم من يطبخ الورق طبخا بليغا ويدعكه باليد دعكا جيدا حتى يتعجن ويعمله أقراصا ، ومنهم من يجففه قليلا ثم يحمصه ويفركه باليد ، ويخلط به قليل من سمسم مقشور ، وسكر ويستفه ويطيل مضغه فإنهم يطربون عليه ، ويفرحون كثيرا وربما يسكرهم ويخرجون به إلى الجنون وقريبا منه كما قدمنا وهذا ما شاهدته من فعله . وأورد المقريزي كلاما مسهبا في كيفية اكتشاف الحشيش قال فيه ما خلاصته « انه كان شيخ للفقراء اسمه حيدر كثير الرياضة قليل الطعام نشأ بخراسان واتخذ زاوية بأحد جبالها ومعه جماعة من الفقراء وأقام أكثر من عشر سنين لا يدخل عليه الا رجل واحد منهم ، ثم يخرج إلى البر في يوم شديد الحر وعاد وقد علا وجهه نشاط وسرور لم يعهد فيه قبلا فاذن لأصحابه بالدخول عليه ، وجعل يحادثهم فسألوه عن هذا الحال الذي صار اليه فقال بينما انا في خلوتي إذ خطر ببالي الخروج إلى الصحراء فخرجت فوجدت كل شيء من النبات ساكنا لا يتحرك لعدم الريح وشدة القيظ ومررت بنبات مورق فرأيته يميل بلطف ويتحرك كالثمل النشوان . فجعلت اقطف منه أوراقا وآكلها فحدث عندي من الارتياح ما ترون فهلموا بنا حتى أريكم إياه فخرجوا ورأوه وقالوا له هذا هو القنب ثم قطفوا من أوراقه واكلوا فحصل عندهم من السرور والطرب ما عجزوا عن كتمانه فامرهم الشيخ بكتمان امره الا عن الفقراء وقال لهم ان اللّه خصصهم به لكي يذهب همومهم ويجلو أفكارهم ثم كان يأكل منه بقية حياته وتوفى سنة 618 للهجرة وكان قد أوصى أصحابه ان يوقفو ظرفاء خراسان وكبراءهم على هذا النبات فاعلموهم بسره فاستعملوه . وشاع امر الحشيشة في بلاد خراسان وفارس ، ولم يكن أهل العراق يعرفون سرها حتى ورد إليها صاحب هرمز وصاحب البحرين وهما من ملوك سيف البحر المجاور لبلاد فارس سنة 628 فحملها أصحابهما معهم فاشتهرت في العراق ووصل خبرها إلى الشام ومصر . . »